محمود سالم محمد

320

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

الغزل : وإذا كانت القصيدة التقليدية في المدح قد حوت في مقدمتها الغزل بالمحبوبة التي هيّج ذكراها الوقوف على الأطلال وذكر الديار ، فإن المدحة النبوية لم تخل من الغزل ، جريا على عادة الشعراء ، واتّباعا لسنّة العرب في شعرهم ، لأن الغزل يستميل القلوب ، وتهواه الأسماع ، وكان الشعراء يوردونه في بداية قصائدهم ليسترعوا انتباه سامعيهم إلى غرضهم ومقصدهم من الشعر . وقد نقل شعراء المديح النبوي هذه السنّة إلى قصائدهم ، وجاروا بها الشعراء الذين مدحوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته ، مثل حسان بن ثابت وكعب بن زهير ، بيد أن شعراء المديح النبوي في العصر المملوكي ، والأدباء الذين أولعوا بهذا الفن اشترطوا في الغزل الذي تصدّر به المدحة النبوية شروطا ، تبتعد به عمّا يخدش الحشمة ، وعمّا لا يليق في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال ابن حجة في ذلك : « إن الغزل الذي يصدّر به المديح النبوي ، يتعين على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدب ، ويتضاءل ويتشبب ، مطربا بذكر سلع ورامة ، وسفح العقيق والعذيب ، والغوير ولعلع ، وأكناف حاجر ، ويطرح ذكر محاسن المرد ، والتغزل في ثقل الأرداف ، ورقة الخصر ، وبياض الساق ، وحمرة الخد ، وخضرة العذار ، وما أشبه ذلك » « 1 » . وبعد أن ردّدت عائشة الباعونية ما قاله ابن حجة ، أضافت : « فإن سلوك هذا الطريق في المدح النبوي مشعر بقلة الأدب ، وحسب العاقل قول اللّه تعالى : وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ « 2 » .

--> ( 1 ) ابن حجة : خزانة الأدب ص 11 . ( 2 ) الباعونية : شرح الفتح المبين ص 312 ؟ والآية : الحج / 30 .